Search
  • Aiman Omer || أيمن عمر

الثورة الصناعية الرابعة و مستقبل الوظائف


نحن الآن نعيش في عهد الثورة الصناعية الرابعة و التي من أهم خصائصها إستخدام الروبوتات، و الذكاء اصطناعي، و إنترنت الأشياء. هناك الكثير من الآثار و الجوانب الإيجابية لهذه الثورة التي تتمثل في رفع مستوى و جودة المعيشة عن طريق التكنولوجيا المتاحة لأكبر عدد ممكن من الأفراد. لكن هنالك جوانب سلبية تتمثل في اختفاء العديد من الوظائف و .ظهور وظائف أخرى تحتاج إلى مستوى عالٍ من المهارات والمعرفة، بما سوف يأثر على نسبة البطالة في المستقبل

يتم الحديث بشكل مستمر في وسائل الإعلام عن مستقبل التوظيف وفرص العمل للأجيال القادمة، و هناك تخوف من ارتفاع نسبة البطالة في المستقبل بشكل كبير، فبناءاً على الكثير من الدراسات من المتوقع إختفاء نصف الوظائف المنتشرة حالياً خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة. الوظائف مثل سائقي سيارات الأجرة أو الشاحنات سوف تبدأ بالتقلص بشكل كبير خلال العشر سنوات القادمة مع صعود السيارات ذاتية القيادة و نجاح العديد من الشركات في تطوير سيارات قادرة على العمل في شوارع المدن المتطورة، و أيضاً وظائف عاملي النظافة و العاملين من مخازن البضائع قد تختفي تماماً في غضون سنوات قليلة من تطور روبوتات قادرة على أداء هذه الوظيفة بكفاءة عالية. الوظائف ذات المهرات العلمية العالية ليس بمعزل عن خطر الإنحسار و التقلص، فمع التطور السريع في تكنولوجيا الذكاء اصطناعي ظهرت الكثير من البرامج و التطبيقات القادرة على أدى مهام مثل تحليل البيانات المالية و الإستشارات القانونية و الترجمة اللغوية، و هذه تهدد ملايين الوظائف التي كانت متاحة لخرجي الجامعات و التي هي بمثابة مدخل إلى سوق العمل للحصول على الخبرة العملية و تطوير المهارات.


لكن في المقابل، التطور التكنولوجي الحديث ساعد في خلق العديد من الوظائف و فرص العمل التي لم تكون متاحة من قبل للعديد من الناس. ففي الهند على سبيل المثال هنالك توسع في الطبقة الوسطى و خروج الكثيرين من خط الفقر بفضل توسع سوق العمل في مجال تقنية المعلومات، و أيضاً في إفريقيا يوجد العديد من الدول ذات النمو الإقتصادي الأعلى على مستوى العالم نتيجة لسهولة الحصول على التقنيات الصناعية الحديثة التي ساعد في إنشاء الكثير من الصناعات في القارة التي كانت مكلفة و غير متاحة في الماضي. بالتأكيد الوظائف الحديثة تتطلب مجهود أكبر في التعليم و التدريب التي قد تشكل عبء على العاملين في سوق العمل، بالإضافة للتطور السريع في نوعية و إحتياجات الوظائف لمواكبة التطور التكنلوجي. فكيف سنستطيع التعامل مع هذا التطور المستمر في التكنولوجيا والتغير المستمر في شكل و نوعية الوظائف؟

يجب الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن نظام التعليم- سواءً المدرسي أو الجامعي- يجب أن يواكب متطلبات العصر ويجب أن يتم من خلاله تأهيل الطلاب لمواكبة نوعية و إحتياجات الوظائف في سوق العمل. هنالك جهود حثيثة من جانب بعض الحكومات و المنظمات الدولية لتطوير العملية التعليمية و تأهيل الطلاب بما يحتاجونه في سوق العمل، هذا بالإضافة إلى جهود بعض الجامعات لسد الفجوة بين الحياة الدراسية و بيئة العمل عن طريق زيادة الروابط بينها و بين الشركات و المؤسسات. من ‏أهم المتطلبات للنظام التعليمي الحديث هي التعليم القائم على تنمية المهارات وليس التعليم القائم على التراكم المعرفي، و مبدأ التعليم مدى الحياة حيث أن العملية التعليمية لا تنتهي بمجرد التخرج من الجامعة بل تكون مستمرة للتزود بالمهارات المطلوبة بناءاً على التطور القائم.

المهارات المطلوبة للمستقبل ترتكز على المهارات في التفكير والبحث عن المعلومات و مقدرة الشخص أن يطور نفسه بنفسه، هذا بالإضافة الى المهارات الشخصية في التعامل مع مختلف الثقافات و التخصصات حيث سوف يزداد الإحتياج للتعامل مع أشخاص في مجالات مختلفة و ثقافات مختلفة وذلك نظراً لزيادة تأثير العولمة.

مبدأ التعليم مدى الحياة سوف يكون عن طريق أخذ دروس و دورات تدريبية عن طريق الإنترنت أو الذهاب الى الجامعة و المعاهد العلمية. و سوف يكون من المهم الربط بين الجامعات و مؤسسات العمل بحيث يكون هناك تطبيق مباشر لما يتم دراسته و ما يتم تطبيقه في مكان العمل. يقترح البرفيسور جوزيف عون -من جامعة نورث إيسترن- في كتابه الحماية ضد الروبوت أن تكون عملية الدراسة الجامعة ليست مرتبطة بمدة زمنية محددة أو مرحلة عمرية، بحيث سوف يتعين على الفرد العامل الرجوع إلى الجامعة بعد عدة سنوات من العمل في وظيفة ما لتطوير مهاراته العملية، أو أن تكون مدة الدراسة الجامعية تمتد لسنوات طويلة قد تصل إلى ٢٠ أو ٣٠ سنة بحيث يجمع الفرد ما بين كونه طالباً جامعياً و عامل بوظيفة في إحدى الشركات، هذا سوف يؤدي إلى تجمع أفراد من فئات عمرية مختلفة في نفس البيئة الدراسية بما سوف يعطي الفرصة للأشخاص الأصغر سناً للإختلاط بزملائهم الأكبر سناً و الإستفادة من خبراتهم العملية.

قد يبدو المستقبل ضبابياً للكثيرين، فالعديد من الخبراء و المتخصصين يتوقعون إستحواذ الألات على غالبية الوظائف و ترك البشر يعانون من الفقر و البطالة. لكن في المقابل، هناك العديد من الآراء الإيجابية لبعض العلماء و المفكرين الذين يَرَوْن أن الألات سوف تتولى القيام بالأعمال المملة و الصعبة مما يتح للبشر الإلتفات للعلاقات الإنسانية و الإهتمام بالقيام بأعمال أكثر نفعاً. بعض الفلاسفة يرى أن نظرتنا إلى الوظائف سوف تتغير في المستقبل، بحيث لن تكون الوظيفة محصورة على الأعمال ذات المردود المالي، بل سوف يتم إعتبار أي عمل يقوم به الشخص كتربية الأم لأطفالها و الأعمال الطوعية هي بمثابة وظيفة. أيضاً يرى بعض الخبراء أن الأمر لا يختلف عن ما حصل في عهد الثورات الصناعية السابقة، حيث كانت هنالك الكثير من التحذيرات من إرتفاع نسبة البطالة و إنهيار النظام الإجتماعي، و لكن حسب التاريخ لم يحدث أي من تلك التوقعات و عادت الأمور للإستقرار بعد مرحلة من الزمن. لذلك علينا النظر بإيجابية للمستقبل و عدم التخوف من صعوبات القادمة و تعامل مع التحديات في المرحلة القادمة.

31 views0 comments